الشيخ محمد آصف المحسني
56
بحوث في علم الرجال
أقول : هذا الّذي خطر ببالي مجرّد حسن ظنّ بهؤلآء العلماء قدّس سرّهم فإنّ أوجب الاطمئنان لأحد ، فله الاعتماد على التّوثيقات الموجودة ، وإلّا فلا . والأصل في هذا الترديد إنّ إحراز وثاقة ناقلي التّوثيقات غير واضح السبيل ؛ ولذا قد يختلف كلام الشّيخ رحمه اللّه في وثاقة أحد أو ضعفه ، كما في حقّ سهل بن زياد . وترى الشّيخ يضعف سالم بن مكرم بن عبد اللّه أبا خديجة ، في حين أن النجّاشي يقول في حقّه : ثقة ، ثقة . « 1 » فيعلم من هذا وأمثاله أنّ لكلّ معدل ورجالي أصولا خاصّة يبني عليها الجرح والتّوثيق . « 2 » وبعبارة أخرى : إنّ التّوثيقات والتحسينات على قسمين : قسم منها : مستند إلى نقل سابق عن سابق حتّى ينتهي إلى الناقل المعاصر للراوي المقول فيه ، والظّاهر إنّ هذا القسم هو الأكثر . « 3 » وقسم منها : مستند إلى الحدس والأمارات الاجتهاديّة على ما تقدّم أكثرها . ثمّ إنّ وثاقة نقلة الوثاقة والصّدق أيضا قد تستند إلى النّقل ، وقد تستند إلى الحدس وهكذا . وهذا القسم - أي : حدسيّة التّوثيق والتّحسين - هو الأقل ، وحيث إنّ حدس الموثّق والمحسّن ليس بحجّة لنا ، بل ثبت بطلانه في أغلب موارده فيما مرّ ، يسقط جميع التّوثيقات والتحسينات عن الاعتبار ضرورة عدم تمييز بين التّوثيقات الحسيّة والحدسية وخلط الحجّة باللاحجّة . فإن قلت : ظاهر كلام النجّاشي والشّيخ السّابق استناد جميع التّوثيقات إلى الحسّ ، لا إلى الحدس . قلت : أوّلا : نمنع ظهوره في العموم والاستيعاب ، بل المتيقن منه أو المظنون قويا من الخارج استناد أكثرها إلى الحسّ كما قلنا ، فيسقط الجميع عن الاعتبار لما عرفت . على أنّ بناء العقلاء على الحسّ فيما يدور الإخبار بينه وبين الحدس ، في المقام ، أي : ما يكون الفصل بين المخبر والمقول فيه بمائة سنة مثلا ، ممنوع ولا دليل عليه ، والدليل اللّبىّ يؤخذ بالمتيقّن منه . وثانيا : إنّ قبلنا ذلك في توثيقات النجّاشي رحمه اللّه ، فلا نقبله في توثيقات الشّيخ قدّس سرّه ؛ إذ من
--> ( 1 ) . بل نقل عن الشّيخ أيضا توثيقه ونقل عن ابن فضّال في حقّه أنّه صالح لا ثقة . ( 2 ) . يقول النجّاشي في حقّ الكشي : كان ثقة عينا ، وروى عن الضعفاء كثيرا . ويعتقد الشّيخ الطّوسي وثاقة كلّ من روي عنه أصحاب الإجماع ، كما يأتي بيانه في البحث الحادي عشر والبحث الحادي والعشرين ، ونحن لا نقول بها . وعلى هذا يقوي الإشكال في توثيقات الشّيخ لتطرّق الظّنون الاجتهاديّة في توثيقاته في حقّ من ثبت رواية أحد هؤلاء عنه . ( 3 ) . وقد مرّ أنّ أصالة البناء على الحسّ تثبت حسّية النقل ، ولا تثبت وثاقة الناقلين .